الأدخنة لم تعد محبوسة !

Print pagePDF pageEmail page

أستيقظ من نومي كل يوم على أنغام عصافيرى الجميلة فى غرفتى الصغيرة المملؤة بالبهجة والألحان والنسيم العليل ، أشدو فرحاً بصباح يوم جديد مع ألحان تغريد العصافير ، أحمل دلو من الماء وأخرج من نافذة غرفتى لأسقى شجرة عمرها من عمرى لكنها كبرت أسرع منى أراها من النافذة كل يوم وأتذكر طفولتى معها حين كانت نبتة فى الأرض أحافظ عليها وأسقيها كل يوم حتى تكبر وها قد كبرت ، فكما كنت أظلل عليها وأحميها وهى صغيرة صارت اليوم ظلى .
أنطلق إلى عملى وأعود لأقضى الساعات فى منزلى ما بين القراءة والكتابة ومتابعة الأخبار والتريض أحياناً ، انقضى الصيف سريعاً وقد كان حاراً جداً على غير العادة فالجو لم يعد مثلما كان حين كنت صغيراً ، وجاء الشتاء ببرودته الشديدة التى لم أشهدها من قبل ولم أعد أقوى على تحملها هى أيضاً كالصيف تماماً .
وفى يوم من الأيام وأثناء عودتى من العمل رأيت مدخنة أعلى منزل جارى وعند رؤيته أخبرنى أنه صنع مدفئة داخل بيته ولم يعد يشعر ببرد الشتاء وحين سماعى له عزمت أنا أيضاً على فعل ذلك .
فى اليوم التالى أتى معى النجار إلى البيت وصنع لى مدفئة صغيرة وصرت أتدفئ كل يوم أثناء قراءتى ومشاهدة التلفاز ، وفى أحد الأيام هبت عاصفة شديدة ومعها هطلت الثلوج وصار الشتاء جليداً فأسرعت نحو المدفئة لأشعلها لكننى صدمت حين اكتشفت أننى لم أحضر معى الحطب عند عودتى من العمل ، البرد يشتد وجسدى لم يعد يحتمل ، ما الحل ؟ ، تذكرت فجأة الشجرة أمام منزلى ، دخلت المطبخ سريعاً أبحث عن الفأس أخرجته وخرجت خارج المنزل وأمام الشجرة ومع شدة البرودة أخذت فى تقطيعها إلى أخشاب صغيرة جمعتها وأسرعت إلى المنزل مرة أخرى وأغلقت الأبواب والنوافذ جيداً وأوقدت نار المدفئة لعلها تحرق مع الأخشاب برد هذا اليوم العاصف .
ألقى بالأخشاب قطعة تلو الأخرى ولا أشعر بتحسن فى الجو ومع كل قطعة صرت أرى سحباً من الأدخنة داخل المنزل ، ألقى بالمزيد من الأخشاب ومعها أرى المزيد من الأدخنة والبرد لا زال كما هو يأبى أن يحترق .
المنزل امتلئ بدخان المدفئة ولم أعد أرى شيئاً سوى سحباً سوداء اللون وصرت اختنق ولا أقوى على الحركة والنار تشتعل أكثر وأكثر والدخان يتزايد يبحث عن منفذ للخروج لكن لا سبيل فالنوافذ والأبواب كلها موصدة .
أغيب عن الوعى ويكاد الموت أن يتمكن منى حتى شاهد جارى من نافذة منزله الدخان يملأ منزلى فخرج مسرعاً نحوى طالباً النجدة ، ولا أفيق إلا على أصواتهم يحاولون إيقاظى وانقاذى حتى استعدت وعيى قليلاً لأتساءل : ماذا جرى ؟!
فيجيب جارى : الأدخنة احتبست داخل منزلك وكادت أن تقتلك
حاولت الوقوف محاولاً استعادة وعيي ، شكرتهم على مساعدتي ونجدتي واستأذنتهم فى الصعود إلى غرفتى للنوم والراحة ، صعدت وذهبت فى النوم طويلاً لم أشعر كم مضيت هكذا نائماً ، استيقظت ولا زلت مستلقياً على سريرى أنظر إلى أعلى سارحاً فى أفكارى وفى يوم مضى على طويلاً ثقيلاً ، حتى انتبهت فجأة متسائلاً : أين صوت عصافيرى ؟! لا أسمعه .
قمت مسرعاً أنظر فأجدهم قد ماتوا ، اختنقوا هم بدلاً منى ليلة أمس ، اشعر بالدموع تنسال على وجهى ، افتح نافذة غرفتى وأخرج منها لأرى النور واستنشق الهواء وأبكى قليلاً ، فلا أرى شجرتى ؟! أين ذهبت .
أسرع لأبحث عنها فأنظر للأسفل فأرى بقايا الشجرة بعد قطعها ليلة أمس ، أجلس على الأرض لا أقوى على الوقوف أضع يدى على رأسى حزناً على خسارتى ، أُحدث نفسى قائلاً : أنا من قتلهم ، أنا من قطعها ، كل هذا من أجل بعض التدفئة ، حبست الأدخنة من أجل الدفء ، لكن ليس كل محبوس ضعيف .
الشجرة قطعت ، العصافير ماتت ، الإنسان اختنق ، والأدخنة لم تعد محبوسة .

Global Warming by F-AYN-T- DEVIANT ART

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *