45 عاماً على مؤتمر ستوكهولم !

Print pagePDF pageEmail page

الوضع البيئى العالمى وتطوراته المتلاحقة يوجب ضرورة الحراك الدولى للتصدي للتغيرات المناخية وذلك فى ضوء ما شهده العالم هذا العام من كوارث طبيعية سببت خسائر مادية ضخمة وخلفت عدداً كبيراً من الضحايا.

خمس وأربعون سنة مرت على مؤتمر ستوكهولم وتقدماً ملحوظاً حتى يومنا هذا لم يحرز، حيث نشأ حينها الوعى الجماعى العالمى والإحساس بمسؤوليتنا فى الحفاظ على صحة هذا النظام الإيكولوجى وسلامته، ومع التنامي المستمر فى الاهتمام بضرورة حماية الأرض والبيئة والحفاظ على الموارد والثروات الطبيعية، عقدت الأمم المتحدة – بناءاً على اقتراح مقدم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) – مؤتمرها عن البيئة الإنسانية ستوكهولم عام 1972م.

حيث كان انعقاد هذا المؤتمر لحظة فارقة للتحرك الدولى نحو الإيمان بحقوق البيئة، لما تضمنه الإعلان الختامى للمؤتمر من مبادئ مثلت منهاجاً بيئياً يحتذى به حتى يومنا هذا، حيث لبى مؤتمر ستوكهولم الحاجة الماسة إلى إلهام الشعوب والبشرية بما تمثله البيئة من أهمية وتوجيههم نحو الحفاظ عليها وعلى استدامتها.

حيث أكد المؤتمر على ضرورة صون البيئة البشرية وتحسينها لأجيال الحاضر والمستقبل، فقد أصبح هذا هدفاً لا سبيل لبنى الإنسان إلا ضمان تحقيقه.

وبموجب هذا المؤتمر أنشأت الجمعية العامة برنامج الأمم المتحدة للبيئة، والذى يختص ببذل الجهود لحماية البيئة العالمية، وتتمثل أولوياته فى الجوانب البيئية للكوارث والنزاعات، وإدارة النظم الإيكولوجية، والإدارة البيئية المستدامة، وكفاءة وكفاية الموارد، والاحتباس الحرارى وتغيرات المناخ.

إعلان ستوكهولم يمثل أول استعراض دقيق للأثر الإنسانى للتدخل البشرى على البيئة، كما يشكل محاولة لصياغة نظرة عامة وأساسية على الأسلوب الذى يمكننا من التصدى لتحديات الحفاظ على البيئة والموارد وتعزيزها، حيث اتصلت مجمل أهدافه وغاياته برسم سياسات بيئية مسئولة فى حدود الإمكانيات الدولية المتاحة ووفق محدودية الموارد.

“حق أساسى للبشر، العيش فى ظروف ملائمة للحياة فى ظل بيئة ذات نوعية تتيح حياة من الكرامة والرفاه” هذا ما أسس إليه مؤتمر ستوكهولم الذى عرف بـ “قمة الأرض”، بجانب ثبوت المسئولية المشتركة للدول عن الأخطار والمشكلات التى تعانى منها البيئة الإنسانية والتى شارك فى إحداثها المجتمع الدولى كله، وهذا أدى إلى حاجة العالم الملحة للتعاون الدولى لرفع مستوى البيئة الإنسانية وإنقاذها من التدهور وتطوير قواعد القانون الدولى، خاصة ما يتعلق منها بالمسئولية الدولية المشتركة لكى تتماشى مع التطورات البيئية المتسارعة التى تجتاح العالم.

وأحد المبادئ الهامة التى أسس لها إعلان ستوكهولم هو حق الدول فى استثمار مواردها طبقاً لسياساتها البيئية الخاصة، على أن تتحمل مسئولية ضمان أن الأنشطة المضطلع بها داخل حدود ولايتها أو تحت رقابتها لا تضر بيئة دولة أخرى، وتتجلى أهمية هذا المبدأ من خلال: ثبوت حرية الدولة فى ممارسة ما تشاء من أنشطة استثمارية لمواردها فى حدود سيادتها الإقليمية، على ألا تتسبب هذه الحرية فى أضرار بيئية لدولة أخرى، خاصة تلك المناطق التى تمثل تراثاً إنسانياً عالمياً مشتركاً، لهذا كان مؤتمر ستوكهولم هو الانطلاقة الحقيقية نحو بدء الاهتمام بالبيئة الإنسانية وإيلاء الاهتمام الواجب لها.

أما اليوم وبعد مرور ما يزيد على 45 عاماً لا زالت الجهود الدولية لم تؤتى ثمارها منذ مؤتمر ستوكهولم، ويعول على مؤتمر “كوب 23” – بالعاصمة الألمانية القديمة بون – الآمال لتحقيق تقدم حقيقى وملموس نحو اعتماد إستراتيجية طويلة المدى لحماية البيئة، والتأكيد على الالتزام بتطبيق اتفاقية باريس للمناخ خاصة فى ظل انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منها حتى وإن كانت قد أكدت على مشاركتها فى المناقشات حول كيفية وقواعد التطبيق سعياً منها لحماية مصالحها واستشعاراً للخطر من تجاهلها تماماً، وأيضاً رفض دول عديدة لها لعلة أنها تضر الاقتصاد وتطرد الاستثمارات وتعرقل مسيرة التنمية.

وعلى الرغم من التزام الدول فى اتفاقية باريس بضرورة تخفيض نسب الغازات المسببة للاحتباس الحرارى إلا أن هذا لم يعد كافياً، لذا يتوجب على الجميع العمل بتضامن من أجل تحدى التغيرات المناخية والعمل على معالجتها، وذلك لن يتأتى إلا من خلال إحراز تقدم ملحوظ فى تطبيق اتفاق باريس حول المناخ، بحيث تلتزم الدول السعي لتحقيق الأهداف المناخية الوطنية للحد من حرارة الأرض إلى أدنى من درجتين، وإعطاء الأولوية للمشاريع الاستثمارية الصديقة للبيئة.

لذا ما لم يعى المجتمع الدولى الدرس الذى ناله هذا العام من كوارث طبيعية لم يشهدها الكون من قبل، فالعلماء يتوقعون أن تزداد حدة هذه الكوارث الطبيعية، سوف نصل إلى أن نختبر تأثيرات تغيرات المناخ على تفاصيل حياتنا اليومية.

لا زالت الآمال معلقة على كوب 23 والأنظار متجهة إلى بون، لعل “بون” تكون الخطوة الأولى نحو الالتزام بما سبق الاتفاق عليه فى باريس، واستكمالاً للجهود الدولية للحفاظ على البيئة وضمان استمرار الإنسانية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *